الشنقيطي
111
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
الدينية من الجن والإنس ، فيوفق من شاء بإرادته الكونية فيعبده ويخذل من شاء فيمتنع من العبادة . ووجه دلالة القرآن على هذا أنه تعالى بينه بقوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ] فعمم الإرادة الشرعية بقوله إِلَّا لِيُطاعَ وبين التخصيص في الطاعة بالإرادة الكونية ، بقوله بِإِذْنِ اللَّهِ فالدعوة عامة والتوفيق خاص . وتحقيق النسبة بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الدينية أنه بالنسبة إلى وجود المراد وعدم وجوده ، فالإرادة الكونية أعم مطلقا . لأن كل مراد شرعا يتحقق وجوده في الخارج إذا أريد كوبا وقدرا ، كإيمان أبي بكر ، وليس يوجد ما لم يرد كونا وقدرا ولو أريد شرعا كإيمان أبي لهب ، فكل مراد شرعي حصل فبالإرادة الكونية وليس كل مراد كوني حصل مرادا في الشرع . وأما بالنسبة إلى تعلق الإرادتين بعبادة الإنس والجن للّه تعالى ، فالإرادة الشرعية أعم مطلقا والإرادة الكونية أخص مطلقا ، لأن كل فرد من أفراد الجن والإنس أراد اللّه منه العبادة شرعا ولم يردها من كلهم كونا وقدرا ، فتعم الإرادة الشرعية عبادة جميع الثقلين ، وتختص الإرادة الكونية بعبادة السعداء منهم كما قدمنا من أن الدعوة عامة والتوفيق خاص . كما بينه تعالى بقوله : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ يونس : 25 ] فصرح بأنه يدعوا الكل ويهدي من شاء منهم . وليست النسبة بين الإرادة الشرعية والقدرية العموم ، لخصوص من وجه بل هي العموم والخصوص المطلق ، كما بينا إلا أن إحداهما أعم مطلقا من الأخرى باعتبار ، والثانية أعم مطلقا باعتبار آخر ، كما بينا . والعلم عند اللّه تعالى .